كانت ليلة باردة لايعكـر هدوءها إلا ريحة المطهّـر اللي يميز المستشفيات ، وبالرغم من أني ماكنت أحس بأي ألم إلا أني كنت أتقلب على سريري خايفة من بكره… ما أدري ليش ..؟!!!
ابتسمت وأنا أتذكر زوجي ، كان يقول : لا تخافين يا العنود الطب تطور ، وأنا ابلف بك العالم لين تشفين ، لا تخافين أنا معك .
ابتسمت وأنا أتذكر كلامه والخوف اللي بنظراته وهو يحاول يطمني .. أمي يا حليلك يا يمّـه… طول الليل كانت تصلي وكل ما فتحت عيوني سمعت صوت همساتها تدعي لي ، وتتضرع لله .. يا حليلك يا يمّـه .. ويا حليل عيونك اللي مَورْمه من البكاء ، بالرغم من أنّي ما أشوفها وهي تبكي ..
أشياء كثيرة تغيرت هالأيام ، زوّاري كلهم تغيروا ، ما عاد يجيني أحد من سني ، لا ما عاد أشوف إلا كبار العائله اللي يتصفون بالدين والعقل .. شيء غريب !! ما أدري وش سببه ..؟! حتى الأحاديث اللي تطرح في غرفتي كلها عن قوة الإيمان والصبر .
وما عاد أحد يذكر لي الأمل في الشفاء ، ولا أخبار العائله ..!! بنت عمي ولدت ما دريت إلا بالصدفه ، سمعت وحدة تبارك لأمها في زيارتي ..
وش صاير ..؟!!!!!
والله شكيت أنهم يعرفون عني شيء أنا ما أعرفه .. يعني يمكن الطبيب قال في حالتي شيء ..؟!!!
بس طردت وساوسي بحجة إن الطب تطور ، والطبيب شكله متطمن علي ، وزوجي يقول إني بشفى إن شاء الله أكيد .. قطع صوت أمي حبل أفكاري ، وهي تناديني : العنود قومي وأنا أمك صلي .
ابتسمت وأنا أتذكر كيف أمي تغيرت .. أمي أول من كثر حبها لي في البرد إذا أذن الفجر تهمس في أذني إني أصلي ، وكنها ودها إني ما أسمعها ، وإذا ما قمت تعيمت عني وسكتت وابعدت ، وهي تدعي إن الله يهديني .. غريبه من بداية مرضي وهي حريصه على صلاتي ، تقومني بصوت حزين مستسلم ، ابتسمت وقلت لها : أنا قايمه يا يمّـه ..
تنهدت وقالت : الله يشفيك يا بنيتي ..
قلت : يمّـه… ليش أنتي حزينه ..؟! ترى أنا طيبه ، والله ما فيني إلا العافيه بالذات اليوم ..
وطلعت أمي وأنا أكلمها وتركتني .. استغربت ، وسكت ، وقمت أصلي .. يوم سلمت وقبل لا أقوم عن سجادتي الا باب الغرفه يدق الفجر ..!!!
من جاي هالوقت ؟!!!
شفت أخوي الكبير محمد يطل من الباب .. ابتسامته تنـوّر وجهه الملتحي ، بس ابتسامته كلها حزن ..
قال : كيف حالك يا الغالية اليوم ..؟! وبعدها سلم على أمي وانحنى يسلم على يدها ..
قلت : الحمدلله بخير .. اليوم أنا طيبه ، وأظنهم اليوم بيطلعوني .. عندي إحساس !!
الغريب بالرغم من إني كنت أبي أفرحه إلا أنه التفت عني وراح للشباك ، وفتحه ووقف عنده شوي وهو يتنفس بعمق ويذكر الله .. وكأنه يحاول يطرد الشيطان ، بعدين قال بدون ما يرفع عينه من الأرض : ودّي أغيـّر اتجاه سريرك يا العنود ..
وقبل لا أرد حـرّك السرير وخلاه من جهة القبله … ابتسمت ، وقلت : لييش ؟!!
قال وهو ما رفع عينه من الأرض وبصوت مرتعش : أفضل علشان إذا دعيتي الله تكونين مواجهة للقبله ..
قلت وأنا أضحك : محمد أخاف ذي بدعه ، انتبه !!
لم يرد علي محمد ، وحط مصحف جنب سريري وخرج وتركني ، ولحقته أمي ، وأنا ابتسمت وأنا أتذكر المناقشات الحاده اللي كانت تدور بيننا في أمور الدين .. كان دايم ينصحني ويوعظني ، وأنا بالرغم من إني أحترمه إلا أني كنت أناقشه في أي فكره يقولها ، وأقول اللي في خاطري ، وهو كان متقبـل للمناقشة ويرد برحابة صدر ..
رجعت لسريري وتمددت عليه ، فعلاً هالمكان أ حسن من الأول ، هنا أقـدر أشوف الحديقه اللي بـرا وأشوف العصافير تغرد في الصبح .. تذكرت شباك غرفة بنتي ساره ، أكيد العصافير متجمعة عنده ألحين .. يا ما أزعجتني أصوات تغريدها ، وفتحت الشباك علشان أفرّقها ، لا تقوم حبيبتي سارة وترتاع .. يوه… وينك يا ساره ..؟! بكرة بتنامين في حضني إن شاء الله وأبعوضك عن الأيام اللي قضيتها بعيده عنـك في المستشفى ، بكـره أبشـم ريحتك يا عمري
دخلت أمي ، قلت : يمّـه سارة تراها الأيام الأخيرة تجيها كوابيس ، عساك وصيتي نورة عليها لا تفارقها لو دقيقة في الليل لين أجي . قالت أمي : ما عليكي أنتي ، ساره مرتاحه ، فكري بنفسك بس ..
تمددت على سريري وأنا أطالع الساعه على الحائط ، الدكتور بيجي الساعه 10 وأبقوله إني أبطلع خلاص ، ماله داعي أربك أهلي وزوجي أكثر من كذا خاصة ان أخوي ماجد قـرّب زواجه .. وسحبت مجلة أزياء ، وفتحت على صفحه الموديل اللي اخترته لزواج أخوي ماجد ، واتخيلت شكلي وأنا لابستـه ، يوووه أبقهر كثير من البنات اللي ينافسوني بالعايله ، أب**ر عينهم .. وقعدت أفكر … كيف أقنع الخياطه علشان توافق تخيطه بسرعه وبعدها غفيت ...
قمت بعدها على صوت أخ وي محمد يقرأ قرآن عند راسي ، وفتحت عيوني ، وابتسمت له ..
قلت : محمد ما بعد رحت البيت ؟!!! يوه وعملك ؟!!!!
مارد علي وكمّل قرايه لين ختم السوره ، وهذا أبو سارة زوجي الحبيب اللي مسك يدي ، وقال وهو يبتسم بحنان : هاه العنود … عساكِ ما تحسين بشيء ..؟!
استغربت من سؤاله ..!!! قلت : لا أنا يا خالد طيبه ، ما فيني إلا العافيه ، وودي أطلع بصراحه ..
قال : الله يشفيكِ ..
وابتعد عني بسرعه لا أشوف دموعه ، وفي هاللحظه سمعنا دقات على الباب ، ودخلت الممرضه لتعلن وصول الطبيب .. وفي هاللحظه زوجي نقـز من مكانه كـنـه مقروص ، وخرج بسرعه مثل الواحد اللي يبي يهرب ، أما أنا فرحت وقلت للممرضه بحماس : خلّيـه يدخل أنا جاهزه !!
ودخل الطبيب ، طبيبي يشبه أخوي محمد كثير ، انسان ملتزم وملتحي ومحترم ، ما أذكر مره إنه رفع عينه في عيني إلا للضروره ، وأنا أستحي منه مره ، بس أثق فيه وأعتبره زي أخوي ..
قال : هاه .. كيف حالك يا العنود ..؟!
قلت بسرعه : الحمد لله يا دكتور ، أنا اليوم أفضل يوم لي من بداية مرضي ، وأبي أطلع خلاص ، اشتقت لبيتي .. !!
أخوي محمد ف ي هاللحظه طلع بسرعه وأمي لحقته وتركوني لحالي مع الطبيب والممرضه ، الظاهر كانوا يتوقعون انفجار لغم .. قال الطبيب بوجه جامد ما فيه من الإحساس ذرّه ، وكأنه مو هو اللي يتكلم إلا كأنه يحكي بلغه هو نفسه ما يعرفها، قال : العنود أنا بكتبلك خروج !!
نوّر وجهي بابتسامه وأنا أدس يديني تحت الغطوه لا يشوفها الطبيب ، وكمّل كلامه بوجه جامد: العنود .. أنتِ وحده مؤمنه وأكيد عارفه إن الموت حق .. وسكت ...
تسارعت أنفاسي وأنا أقول : إيه…
كمّل يا دكتور .. حالتك ميؤوس منها وبطلعك علشان تقضين آخر أيامك في المكان اللي تحبينه .. ورجع لصمته وسكت الطبيب ، وسكت كل شيء بالغرفه ، بس أنا ما عاد أسمع إلا صوت أنفاسي وصوت أكوام الأمل اللي انهدت في قلبي ، ومن الصدمه رميت غطوتي بعيد وقمت بحماس ، وكأني ابدافع عن حياتي ، وكأن الطبيب هو اللي يبي يسلبها مني ، وانحنيت ، ولأول مره أحط عيني في عين طبيبي اللي ما رفعها عن الأرض ، وقلت بحماس : دكتور ..!!! لا تقول كذا أنا طيبه ومافيني شي يادكتور ..!!! وش هالكلام ..؟!!! دكتووور كيف الطب يعجز عن حالتي أنا ؟!!!!! أنا ؟!!! أصلاً أبو ساره قال إنه يبي يلف بي العالم ..!!! كيف المرض ينتصر على شبابي وحيويتي؟!! أنا أقوى منه أكيد ..
قال الدكتور : يا العنود الموت والحياة بيد الله ، والطب وسيله ، وما أدري ..؟! يمكن يبقالك ساعات أو أيام أو أسابيع ..؟! بس حالتك يا العنود ما عاد نقدر نسيطر عليها ... ( وسكت بعدها الطبيب ) ..
قبل لا يطلع الطبيب قال وكأنه يبي يخفف عني : ( أبعطيك أقوى المهدئات ولا راح تحسين بالألم في باقي أيامك إن شاء الله .. حسّيت ساعتها إني مجوفه فاضيه من الداخل ، حسيت الدنيا سوداء حواليني ، وبدت تتضح لي صور من بعيد في مخيلتي ، أول صورة شفتها كانت صورة سارة بنتي وهي تضحك وعمرها شهور .. وبعدين شفت صورة زواجي وأنا لابسه أبيض وزوجي ماسك يدي بفخر ، وهذي أمي وهذي زميلتي في المدرسة شفتها مع إني من بداية الصيف ما قابلتها ولا كلمتها وشفت العصافير اللي بغرفة ساره .. وآخر صوره شفتها قبل لا أفوق كانت فستان زواج ماجد اللي اخترته من مجلة الأزياء ..
حسيت باختناق وضيق ، هذا حضن أمي اللي دخلت علي وضمتني ، وأبعدها عني بقوه وقاومت علشان أتخلص من حضنها ، وسمعت صوت زوجي يكلم الطبيب عند الباب ، طالعت أمي بعصبيه ، وقلت : يمّـه ما أبي أشو ف خالد !!
كانت رغباتي أوامر في ذيك الساعه ، ركضت أمي وردتـه من عند الباب ، ما كنت أبي أشوفه ، كنت متأكده إني ما راح أتحمل شوفته هو بالذات ، حسّيت إنه يبي يذكرني بأيام الرخاء وأنا ألحين في شده ..
وينكم يا أهلي؟!!
بس ما أبي غيركم ..
ما بكيت ولا نزلت مني ولا دمعه ، وكأن الخبر كان فوق مستوى البكاء ، بالع** تحمست وقلت : يا الله أبطلع !! أكملت إجراءات خروجي وقبل لا أطلع جت المريضه اللي بتاخذ غرفتي ، طالعت عيونها فيها بريق أمل تختلف تماماً عن نظرتي أنا ، كانت نظرتي ميته عميقه مالها لمعه .. سبحان الله للأمل بريق في العيون .. وطلعت وقلت لأخوي : محمد ما أبي بيتي ، أبي أروح لغرفتي قبل لا أعرف خالد !!
وفعلاً أخوي بدون أوامري كان رايح لبيت أهلي .. ونزلت ودخلت البيت بس ما لقيت في استقبالي إلا خواتي الكبار!! والبيت كأنهم أخلوه لي ..!! هذا بيت أهلي العامر اللي الكل داخل طالع ..!! الحين هادي كأنه مقبره ..!!!
رحت لغرفتي ورميت عبايتي ، كنت ناويه أتحمم وأغير ملابسي ، وأستعد علشان أضم ساره لصدري بس ألحين غيرت رأيي ، ما أبي أشوف ساره ، ما أبي أشعر إنها معتمده علي في شيء ، أبي أوكل أمرها لله ، ونِعم بالله .. أبخليها في وداعة الرحمن ومن يحفظ الودائع مثل الله .. دخلت أمي وهمست بصوت واطي ، قالت : العنود وش تبين تاكلين ..؟!!!
قلت لها : ولا شيء !!
وقلتها بحزم وقوه : يمّـه ما أبي شيء !!
أمي أوّل كانت دايم تتابع أكلي وتجبرني إني آكل ، حتى بعد ما تزوجت كانت تحرجني عند زوجي اللي كان يضحك من حرصها على أكلي ، وكأني طفله ، بس اليوم ولأول مره احترمت رغبتي وسكتت وكأنها تقول : ماله داعي الأكل ما دام آخرته للدود ..
بعدين قالت لي : يا بنيتي زوجك يبي يشوفك ..
قلت بصوت عالي وكأني أكلمهم من العالم الآخر : لا ما أبي أشوفه .. وطلعت ورجعت مره ثانيه وقالت : ترى خالد يقول إذا وافقتي تشوفينه هو ينتظر في المجلس مع أخوك .. يتبع