" أمـــــــرُ الجبــــَّـــــــــــــار"
...
جلست على كرسيِّها المحاذي لنافذة غرفتها ..
رمت جسدها بتعبٍ مملوء بالحزن .. وفكرها شاردٌ إلى ما قبل العشرين عام ..
تتذكرُ تلك الطفلة التي ملأت حياتها بالحب و الأمل, و ابتسامتها التي لا تفارق وجهها ,وكيف كانت تلعب بأصابعِ قدمِ والدها ..
كانت الذكرياتُ تدور في ذهنها , بينما دمعاتها تسيلُ من عينيها ..
كانت بداية الألم ...قبل عشرين عام !
..
كانت طفلتها الخامسة سمية , ذات الأربع سنوات , تنبعُ حبًا وحيوية , كانت لا تتعب من اللعب والجري في أرجاء منزلهم الصغير , كانت فرْحةُ الجميع وأنسُهم .. بدونها يباتُ المنزل في هدوءٍ خاملٍ ممل !
...
عندما أنجبت ابنها السادس , كانت في حاجة إلى خادمة تقوم بأعباء المنزلِ في فترة نفاسِها ..
فلم تستقدم من الخارج ؛لأن حاجتها لن تطول . فقد دبرت لها إحدى السيدات خادمة ممن يعملن بالشهر ويعشن في الأوكار ..
كانت خادمتها سيريتا أربعينية ..لم تهمل أوامر سيدتها ولم تتكاسل في عملها ..كانت تقوم بكل أعباء المنزل دون ملل أو ضجر..
ولكن الخوف من الخادماتِ يظلُّ شبحًا يراود كل امرأة...
..
بناتها الأربع اللاتي يسبقن سمية بالعمر,كنّ صغيرات , أكبرهن لم تتجاوز الثانية عشرة ربيعًا ..
كنَّ في مراحل إبتدائية مختلفة ...
كانت الأم تنشغل كثيرًا بابنها الصغير سلطان , وما أن تتفرغ منه حتى تنشغل بتدريس بناتها ..
فكانت سيريتا مهتمة بالطفلة سمية اهتمامًا عجيبًا ..
كانت دائما تقول لسيدتها "إني لأشعر وكأنها ابنتي "..
خالجها الخوف مرات ...والشّك والرهبة أوقات ...ولكن طيب قلبها كان يتعاطف مع أمومة الأربعينية ..
فمرّت الأيام وتعلّق الخادمة بالطفلة يزداد ..
كانت هي التي تطعمها وتلبسها ..وتقوم بكل حاجياتها ..كانت تطلب من سيدتها بأن تسمح لها بأن تسبّح الطفلة إلا أنها أبت ذلك والخوف يدبُّ وينبض مع دقات قلبها ..
..
سيريتا, لم يبقى لها سوى أسبوع وتنتهي فترة عملها , وبعدها ستعود إلى وكرها الذي جاءت منه ؛ لتعمل مع عائلة أخرى تحتاج لخادمة مؤقتة ..
طلبت سيريتا من سيدتها بعضًا من ملابس سمية؛ حتى تلبسها لابنة أخيها ! .... كما زعمت ..
أم سلطان لم تشعر براحة حيال هذا الأمر فوهبتها ملابس جديدة لم تلبسها سمية قط ..
فرحت سيريتا بذلك ..كان فرحها غريب ,استوحشته السيدة , ولكن ظلَّ تعاطفها مسيطرًا عليها ..
وقبل انتهاء مدة بقائها بيومين , استغلت سيريتا نوم السيدة والطفلة سمية ,وغياب الزوج وبناته ..
فأخذت الطفلة معها ,وخرجت بهدوء في الصباح الباكر ..
بعد ساعات من النوم العميق ..استيقظت السيدة ..
وعاد الزوج ومعه بناته ..
فكانت الصدمة المفجعة !
تفاجأت السيدة هروب الخادمة ...
ولكن كانت صدمتها عندما بحثت عن ابنتها فلم تجدها في المنزل ..!
كانت تبكي و تتمنى بأن الأمر خدعة من زوجها الذي اكتشف الأمر قبلها..
لكن الصدمة كانت ملازمة لزوجها أيضًا ..
كان بكاء بناتها الأربع يزيد من ألمها ..
خرج الزوج ليتفقد ويسأل الجيران ودمعاته حبيسة في عينيه .....ولكن.. بدون إجابة ..
بلّغ الشرطة بذلك ..وعندما اكتملت الأربع والعشرون ساعة بدأ البحث عن الطفلة المفقودة ..
أعلنت الصحف عن فقدانها مرفقة ذلك بالصور..
إلا أن الشهور مرّت ...وتعاقبت السنون ..............بلا خبر ..!
كان البيت يفتقدها ....كانت هي الوحيدة بين أخوتها قليلة البكاء كثيرة الضحك واللعب ..
..
بعد ما حدث ...
حرصت الأم على أبنائها أكثر من ذي قبل ..
هي كانت حريصة ..ولكن حرصها ازداد ..
قلّ خروجها من منزلها ..خشية أن تفقد ابنًا آخر ..
لم تكن تزر سوى الأقارب ..
ولم تسمح للغرباء بدخول منزلها ..
..
ومع توالي السنون , خفّ الألم , فالنسيان من طبيعة الإنسان ..!
والتهت ببقية أبنائها ...
مرّت عشرسنوات ..تزوجت ابنتاها ..الكبرى ومن تليها ..
دبّ الفرح في قلب العائلة ...
وتناست ابنتها المفقودة .......ولكنها ..لم تنسها ..
بعد عشر سنوات أخرى توالت ..
تزوجت فيها ابنتاها الثالثة والرابعة ..فعاد الشوق لقلب الأم ...ليت الخامسة موجودة ..لنزفها يوما ما !
...
قبل عشرون عام ..
في جانب آخر ..
عندما هربت سيريتا بالطفلة ..
كانت الطفلة قد اعتادت على الخادمة فلم تنفرمنها ..إلا أنها ظلت تسأل عن والديها وأخواتها ..ولأن سيريتا لم تكن تعرف بمَ تجيبها, اقترحت عليها إحدى صديقاتها بأن تضع في طعام الطفلة مهدئا ..أو مخدّر ..
ظلّت الطفلة تبكي أيامًا وأيام ...وكلما بكت ..أعطوها جرعة مخدّرة عن طريق الإبر؛ لأنها لم تعد تتناول طعامها ..
مرّت ثلاثة أشهر إلى أن اعتادت الطفلة على ذلك ..أو أنها لم تعتد وإنما أصبحت تصمت خوفا من الإبر ..
كانت سيريتا تهددها, إن بكت فستحقن الإبرة في ذراعها ..فتصمت الطفلةُ خوفًا منها ..
ومع مرور الأيام بدأت سمية بتعلّم لغة سيريتا ..وكبرت الفتاة وكبر معها اسمها الجديد ريتا ...
عندما بلغت سنّ السادسة عشر ..أرغموها على العمل مثلهم ..كخادمة ..لأنها كبرت وإن لم تتحمل مصاريف نفسها ومؤونتها فلن يتطوع أحد بإطعامها وتوفير حاجياتها ..
كانت متقنة للغتهم أكثر من العربية . فلغتها العربية ركيكة لا تكاد تجيد سوى ما تجيده الخادماتُ مثلها ..
في البداية, هي كانت تعمل مع سيريتا أينما عملت ؛ لكونها مبتدئة ولمكانة سيريتا وكونها مربيتها و أخت والدتها ......كما أخبروها ..
ريتا لم تكن مقتنعة في قرارة نفسها بأن سيريتا الآسيوية هي خالتها ؛ لأن ملامحها لا تدل البتّة على أنها مثلها !
ومع هذا التساؤل أجابوها وأقنعوها بأن أمها آسيوية , كانت تعملُ خادمة في أحد منازل المواطنين, إلى أن تزوجها صاحب المنزل سرّا , وأبقاها كما هي خادمة في منزله إلى أن حملت, فأعادها إلى وكرها, وبعدما أنجبت ابنتهما ورفضت أن تعطيه إياها .. قتلها ..
هذه القصة هي قصة ريتا ......المزعومة ..!
فنشأت على هذه القصة ..وهي تتمنى بأن تقابل والدها أو أحد أقاربها ..
في الحقيقة ..سمية منذ صغرها ..قبل أن تتم سرقتها كان الجميع يعلم بأنها لا تشبه أحدًا من أهلها ..قد تكون شبيهة لأحد أجداد والديها...؟...ولكنهم لا يعرفون هي تشبه من ؟.......
..
اعتادت ريتا على ذلك العمل , فأصبح جزءًا من حياتها ؛ لأنه طريقها ل**ب لقمة العيش ودفع أجرة السكن لمن يرأسهم .
وفي هذا العام , وبالتحديد منذ شهرين , لم تجد ريتا عملا لها , فأصبح رئيسهم يهددها بأنها إن لم تعمل سيبدأ بتعذيبها ...
كان من قوانينه أن أي رجل أو امرأة يأويهم بمنزله ولايدفعون ماعليهم يعذبهم, وله طرقٌ مبتكرة في التعذيب , يتلذذ بها ويستمتع بمشاهدتهم وهم يتألمون ويبكون ويصرخون...
طلبت ريتا من خالتها سيريتا بأن تبحث لها عن عمل , فالخوف ينبض مع دقات قلبها , فهي تعرف رئيسهم كيف يعشق التعذيب ..
..
سألت سيريتا سيدتها إن كانت تعرف أحدا يحتاج لخادمة, فأجابتها سيدتها بالصبر..
كانت تلك السيدة هي إحدى صديقات أم سلطان ..أم سمية المفقودة ..
وفي إحدى المرات كانت في زيارة لها , وعلمت منها بأن بناتها الأربع سيأتين لزيارتها والمبيت عندها, وسيظلن قرابة الشهر, وهي لن تقدر على تدبير المنزل وتنظيفه في وجود بناتها وأحفادها ...
اقترحت عليها صديقتها بأن تحضر لها خادمة تعينُها على المنزل ..
عندما قالت ذلك السيدة ..تدحرجت دمعات أم سلطان ..
أرخت عينيها متذكرة ابنتها سمية ..
منفطرةُ القلبِ على فلذة كبدها المفقودة ..
باكيًا قلبُها على فقدانها ..
واستها الصديقة الوفية مذكِّرَتُها بأن هذا قضاء الله وقدره , وأن ماحصل هو مشيئة الله وإرادته ..
زادت دمعاتها فسالت مبللة خدّيْها , مُحاوِلةً مسح الماضيَ المؤلم , ولكنها لم تمسحه , وإنما رطَّـبتهُ وسقتهُ ليعيش في ذاكرة الأم المكلومة ..
بعد دقائق ..هدئت الأم , وأقنعتها صديقتها بأن دموعها لن تعيد لها ابنتها ,ثم إن بناتها سيأتين إليها فرحات بزيارتهن ومبيتهن لدى والديهن مجتمعات , فلا داعي لأن تكون حزينة في وجودهن , وعليها أن تجلس معهن ولا تشغل نفسها بأعباء المنزل أو بذكريات تؤرقها..
اقتنعت أم سلطان ..وما كادت أن تقتنع..
...
عادت السيدة صديقة أم سلطان لمنزلها مُبَشّرةً خادمتها بأنها وجدت من يحتاج لخادمة ..
وفي نفس اليوم عادت سيريتا لوكرها؛ لتنقذ ابنة أختها ريتا من عذاب الرئيس ..
فرحت ريتا بالخبر ,رغم أنه ساء رئيسهم كثيرًا, فلوحظ غضبه الغير طبيعي ..وكأنه كان في انتظار لحظات متعته الوحشية وهو يهينها ويعذبها بطريقة جديدة كان يخطط لها , إلا أن مخططه باء بالفشل ..
..
بعد أربعة أيام ..
ذهبت ريتا لمنزل أم سلطان ..لتبدأ عملها هناك ..
دخلت المنزل وكشفت عن وجهها , فسالت دمعةٌ على خدِّ أمِّ سلطان ..
هي لاتعرف سبب ذلك , ولكنها شعرت برغبة في البكاء ..
هي لاتدري أذلك بسبب عقدتها من الخادمات ! أم فقدان ابنتها والذي سببه خادمه!
..
مسحت دمعتها واتجهت للخادمة الصغيرة لتسألها عن اسمها ..
فأجابتها بلغةٍ عربيةٍ ركيكة.." اسمي ريتا "
عاودتها الرغبة في البكاء , إلا أنها تماسكت وبدأت بتعريف الخادمة بالمنزل و بعملها وماالمطلوب منها ..
ريتا كماهي دائمًا مهذبة في تعاملها وفي عملها ..
كانت تشعر بسعادة لوجودها في هذا المنزل , لا تدري إن كان سبب ذلك لطفهم ! أم ابتساماتهم التي تراها على شفاههم كلما نظروا إليها ..
ولكن هذا الشعور كثيرًا ما يراودها عندما تعمل عند أناس طيبين..فليس هناك مايميّز هذه العائلة عن غيرها ..
..
وفي أحد الأيام , جلسنَ معها الفتيات الأربع وسألنَها عن حياتها , فروت لهنّ قصتها التي تحفظها منذ الصغر..أمّها المقتولة ,و والدها القاتل ,وخالتها التي ربّتها ..
حكت لهنّ كيف هي حياتها مع العمل الشّاق , وكيف يعّذب رئيسهم المقصّرين , وأنها نجت منه بأعجوبة ..
تعاطفت الفتيات معها كثيرًا ,كنّ يلمحن فيها الدّم العربيّ ,أو دمًا أقرب من ذلك ..
شعرن بحبّهن لها ,أهو حبُّ المسلم لأخيه !
أم أنه تعاطفٌ قلبي أورث هذا الشعور لديهن ..!
أم أنَّ هنالك سببًا آخر نَبَع له في القلب حبًّا !
..
كانت أم سلطان تنظر إليها وقلبها ينبض بعطفٍ ورحمة تجاه هذه الفتاة..
لأول مرة تتعاطف مع خادمة دون أن تشعر بخوفٍ أو قلق حيال وجودها ..
فهي إذا نظرت إليها , غرقت عيناها بالدموع ..
تشعر بقرب الفتاة منها ..
شعورٌ غريبٌ يراودها , يخبرها بأن هذه الفتاة.. قد تكون ابنتك المفقودة !
ولكنها سرعان ما تعود إلى الواقع ..وهو أن ابنتها كما يقول الجميع .." لن تعود أبدًا "..
..
مرّت الأيام ..
كان الجميع يشعر بسعادة بسبب هذا التجمع العائلي ..
إلا أم سلطان , فقد كان الدمع لا يفارقها منذ أن تلتقي بمخدتها ..
ولم يعرف النوم لها طريقًا منذ أن دخلت ريتا منزلها ..
فهي تفكّر في ابنتها ,هل من المعقول أن تكون هي ريتا..أو أن حالها مثلها......خادمه ..؟
أوحى لها عقلها بأن ذلك ليس بمستحيل ..وأن الحياة مليئة بالصدف والمفاجآت..!
ولكن ..الأمر غير معقول ...!
واستمرّ الصراع بين قلبها وعقلها ..بين المنطق والواقع والخيال ..
وظلّ قلبها متعلِّقًا بأمل , لاتعرف إن كان حقيقيًا أم سرابًا خُدعت به ..
..
انتهى ذلك الشهر ..
وقبضت ريتا مُرتّبها , ثم عادت لوكرها؛ لتكمل حياتها ..
وعادت الفتيات ,كل واحدة منهن لزوجها ومنزلها ..
ورجعت الأم لذلك الكرسيّ المحاذي لنافذة غرفتها,ملقيةً بجسدها عليه ..تسأل ربّها الذي كتب هذا الفراق ,بأن يجمعها بابنتها في دار الخلد بإذنه تعالى ...ثم سالت دمعاتها لتعلن استسلامها للواقع المرّ..
....
انتهت ...
منقول ’’
7
7
7
حــــآلمــه،،،