قبل سنتين كنت في زيارة الأهل بمدينتي الصغيرة في فلسطيننا الحبيبة ، .. وفي زيارتي وكما تعودت ذهبت إلى البحر سيرا على القدمين ، حيث لا بد لي أن أمر بمخيم المدينة لأزور بعض أصدقاء الصبى والدراسة ، وفي أثناء زيارة لصديق عزيز جدا على قلبي تبادلنا الحديث حول وضعنا الفلسطيني ، وفي نهاية الحديث وبعد الضيافة أصر صديقي على أن أمر بين بيوت المخيم ، وكان الوقت عصرا .
مأساة تلو المأساة في كل بيت ممرت به ، وما أشعل نيران غضبي وقهري وبكائي تلك السيدة التي تعودت أن تقدم لنا الشاي عندما كنت أذاكردروسي مع ابنها ونحن في الثانوية ... سقط أحمد شهيدا وهو أكبر أشقائه ، ووالده الحاج عبد الله لا يملك القدرة الجسدية على العمل ، عائلة أبو أحمد يوم مررت بها لم تكن تملك ثمن كأس الشاي الذي كانت تقدمه لي أم أحمد .. أكثر من هذا ابنها محمد – رقم 2 في الأسرة – أصابته رصاصة في قدمه الذي تم بتره ولولا لطف الله للحق بأخيه شهيدا .
وأنا أسير وسط المخيم ومعي محمد على عكازيه وأمه التي هدّتها النكبات منذ صباها ومنذ تركت بلدتها – المجدل – كما تقول - كانت تسير وتمسك بيدي وتحتضني أحيانا وأنا أحاول أن أستجمع قواي وأخفي بركانا من الدموع تفجر في داخلي ... يالقسوة الأيام ... أم أحمد هي أمي ... وكل أم فلسطينية ثكلى هي أمي ... وكل مآسي شعبنا تمثلت لي في هذه المرأة .. ونحن نسير كانت تحكي لي قصصا عن الشهيد أحمد وعن بطولاته ، وعندما سألتها : يا خالة أم أحمد ، أحمد ما وصاكي بشي قبل استشهاده ؟ .... فجأة خرج من جوف خالتي أم أحمد صيحة ارتجف لها كل من سمعها، واحتضنتني بكل ما آتاها الله من قوة وهي تقول :
- أحمد وصاني يبني يا صلاح إذا أنا استشهدت فصلاح هو ابنك بدالي.
ياااااااااااااااارب امنحني القدرة والقوة ، احتضنت أم أحمد وبدأنا موجة عويل لم أفق منها إلا على صديقي الذي كنت في زيارته وهو يحتضني ويبكي ويصيح :
- يا صلاح ما تبكي على أحمد ، هو مات بطل واحنا ما بكينا عليه يوم استشهاده وياريت أموت مثله شهيد . رددت عليه بحرقة :
- مصطفى ، ياريت أنال الشهادة ، وأنا هون بينكم بأحس باحتقارلي لنفسي ،أنا عايش في الإمارات ، صحيح بتابع كل نبضة قلب في بلدي لكني فعلا هلاء بأحس بتفاهتي . صرخ مصطفى وقال :
- يا أبو السعيد – نسبة لاسم والدي – أنت وأسرتك قدمتوا إلي ما قدمه أكبر قائد من قوادنا أصحاب السيارات والكروش والملايين ، وبكفي بيتكم الي انتسف وسنين المرار الي عشتها انت وأهلك ، ووالدك الله يعطيه الصحة ما قصر معانا ولا مع أحمد وهو كل جمعة بيجي يسأل عنها .
كلام مصطفى جعلني أشعر ببعض الراحة ، فلم أسمع من والدي شيئا عن سؤاله الدائم عن أم أحمد ، فقلت لمصطفى بارتياح :
- حبيبي مصطفى ، أنا وغيري من شبابنا ما قدمنا إلا ما هو واجب علينا .
أم أحمد اليوم ترقد في مستشفى ناصر بخانيونس مريضة وطريحة السرير ، في شبه غيبوبة ، وعندما تفيق تسأل :
- وين أولادي أحمد وصلاح ؟ وكل من حولها ويعرف من هما صلاح وأحمد يبكي بحرقة ويدعو الله لأم أحمد أن يخفف عنها .
قبل يومين كنت في رحلة عمل بالدوحة ، وجاءني إلى الفندق أحد أصدقاء الدراسة ودعاني لزيارته ، وهو يعمل مدرسا منذ أربع سنوات تقريبا ، واسترجعت معه قصة استشهاد أحمد وكيف تعيش والدته اليوم في المستشفى . صمت صديقي وتمتم بكلمات : ( يعني احنا هون بتفكرنا أحسن حال من أم أحمد ؟ خليها على ربك يا أبو السعيد ).
عند تلبيتي الدعوة وجدت أن هناك أناسا مدعويين أيضا للغداء ، كلهم من خانيونس وغزة ، تعرفت إلى أحدهم وهو من أسرة أخوالي ، وحكى لي عن مدى المعاناة التي يعانيها صديقي الذي دعاني للغداء ، فهو يعيش مع أسرته المكونة من والدته وشقيق وثلاث شقيقات وكلهم أصغر منه في السن ، بمعنى أنع يعول أسرة كاملة . أخبرني خالي أيضا أن صديقي هذا لا يستطيع الآن وبعد موجة الغلاء المجنونة الأخيرة ، لا يستطيع توفير إيجار البيت الذي يسكنه .
عندما استعمت إلى قصة صديقي الذي يعيش في دولة نفطية ، وكيف يعيش هو وأسرته ؛ قفزت إلى ذهني صور مخيم خانيونس ، ووجدت أسألة ملحة تقفز إلى فكري وتلح علي بقوة ، مجموعة تساؤلات أحببت أن أطرحها ، والتي من أجلها كانت كل المقدمة السابقة ، وهذه الأاسئلة هي :
- لماذا بلغت المحطات والقنوات الفضائية في عالمنا العربي عددا لا يمكن إحصاؤه بسهولة ؟
- إذا ما عرفنا أن متوسط تكلفة ساعة من البث من هذه المحطات لا تقل عن سبعة آلاف دولار ، فلماذا هذا الإتفاق الهائل على هذه المحطات ؟
- لماذا لم توجه الأموال التي أنفقت على هذه القنوات نحو بناء المصانع والمختبرات العلمية بدل مختبرات التعري ( وهز الوسط ) ؟؟!!!
- في المقابل ، كثيرون في عالمنا الإسلامي يجمعون التبرعات بالمليارات دون مبالغة لبناء المساجد والمراكز الإسلامية ، فهل بنا المساجد أهم في ديننا من إنقـاذ آلاف الأسر من براثن الفقر والجوع عن طريق إنشاء مشروعات ومصانع خيرية ؟؟
تساؤلات أطرحها على الأخوة الأعضاء ، وأرجو المشاركة بمنطقية فلعلنا نقدم مقترحا لمثل هذه الأسر ينفعهم في الدنيا ، ويكون لكم الثواب والأجر في الدنيا والآخرة إن شاء الله .
كل الحب والتقدير والاحترام لجميع أحبتي الأعضاء