بابا ... حبيبي ... أعد إلي يدي !!
كان كثير الحركة , مشاغباً , و جماله في مشاغبته , مثله مثل شغب الماء تماماً , أبواه يحبانه بدرجة لا توصف , و كذا الجيران و كل من في الحارة . فالكل يتهافت على حمله و مداعبته , إذ تكفي نظرة واحدة إلى عينيه العسليتين , اللتين تشعان بريقاً و أملاً , مختلطة بابتسامته البريئة .. التي تخرج عفوية من فمه الصغير لتجعلك متعلقاً به , و تجبرك على الرد بأحسن منها .. الآن وقد كبر و أصبح في السابعة من عمره .
ذات يوم عمل – شقاوة – وبسبب تلك الحركات المعهودة ممن هم في مثل سنه , غضبت والدته و أقسمت أن تشكوه إلى والده حين عودته من عمله , لكنه استقبل كلمات والدته بعدم المبالاة , فلقد تعود على سماع تلك العبارات منها . والده في مكتبه .. منهمك في عمله .. محاصر بين الأوراق أو كما يحلو أن يسميها النمر الورقي .. لكثرتها .. فهذه بحاجة إلى توقيع , و تلك بحاجة إلى تدقيق .. و الهاتف .. نعم الهاتف الذي لا يهدأ ,, و الاجتماعات الدائمة ,, و المقابلات شبه اليومية مع الوفود القادمة من الخارج , فهذا هو حال المدراء .
فتح باب الكراج .. أحسست الأم بوصول زوجها , فاتجهت إليه تستقبله و تلقي على وجهه نشرة الأخبار .. ابنك **ر كأساً .. وصعد فوق التلفاز حتى كاد إن ينقلب على وجه ... و ... و ولم يسمع كلامي حين حذرته .. بل على الع** أخذ يزداد في مشاغبته .. وقتها دارت في رأس الأب المشحون .. كل المؤثرات السلبية .. فنادى على ابنه .. والشر يتطاير من عينية .. و امسكه من كتفه و هز بدنه هزة عنيفة .. و التفت جانباً فرأى لوحاً خشبياً مسنداً على حائط الكراج .. فحملها .. و ضرب ابنه على يده ضرباً مبرحاً .. و الطفل يضرب برجله في الأرض .. و الأب ممسك بيد ابنه و اليد الأخرى ممسكة باللوح , لم تتحمل الأم و حاولت منع زوجها بعدما رأت ما رأت .. و الابن يتأوه والأب يزداد في الضرب .. لم يستجب لاستغاثة الابن و لا لصراخه .. إلا عندما رأى الدم ينزف من يد ابنه .. تأمل في اللوح و إذ بها ممتلئة بالمسامير ...
حمل ابنه إلى المستشفى .. و الابن يصرخ من عصرة الألم و الأب يحاول عبثاً أن يهدئ من روعه ... في المشفى ..
يالدهشته !! أخبره الطبيب .. أنه لا بد من بترها لأن المسامير كانت .. مسمومة .. بعد العملية .. دخل الأب على ابنه و هو من** الرأس .. نظر إليه طفله الصغير .. نظرة تحمل الكثير من التساؤلات .. قال له ابنه .. " بابا .. حبيبي .. اقسم أنها آخر مرة أفعل فيها شيئاً يغضبك , لن أعيدها مرة أخرى , فهل ستعيد إلي يدي " ؟!
تذكر دوماً قصة الأب الذي لم يكن يعرف معنى الاستعداد للمفاجآت ... ولم يبرمج نفسه لحسن التعامل ... و الذي تسبب في قطع اليد اليمنى لابنه الصغير .. ذلك الطفل البريء الذي لم يقم بغير ما تقتضيه مرحلة نموه من حركة و محاولة اكتشاف محيطه ... و الذي خاطب والده و هو يزوره بالمستشفى
(( يا أبي لن أعود لمثل هذا السلوك فهل تعيد لي يدي !! )) .