لا للوم والعتاب أثناء الاختبارات!!
الأخصائي الاجتماعي : نضال سلامة
بعد مرور اليوم الأول من أيام الاختبارات، والذي عادة يبدأ بالمادة الصعبة، مثل الرياضيات التي يبغضها أعداد ليست قليلة من الطلبة والطالبات؛ نجد الأولاد خرجوا بعد أداء الاختبار في هذه المادة بصدمة كبيرة تظهر آثارها بالفتك والانتقام ـ بعد الخروج من اللجنة ـ من الملخصات، أو تمزيق الكتاب، مع تبادل اللوم والعتاب، أو إلقاء التهم على المدرس، أو المنهج أو المدرسة، أو عدم توفير الجو المناسب للمذاكرة بالمنزل.
مع العلم أن بعض الأبناء خرج أيضا من لجنة الامتحان: مستبشرا مبتسما حامدا شاكرا، لا تظهر عليه مثل غالبية الطلاب الحزن والأسى، أو علامات عبوس الوجه وتقطيب الجبين، فما السبب في هذه المفارقات؟
من المؤكد أن بعض الأبناء قد واظب على حضور الدروس، وأدى الواجبات، و استذكر دروسه أولا بأول، وتدرب على حل الاختبارات، وسأل المعلم فيما أشكل عليه، وتابع دروسه بجد ونشاط، وتدرب على الجلوس بالصورة الصحيحة للحفظ والمذاكرة، فلذلك تجد هذا الطالب المجد أيام الاختبارات سعيدا منشرح الصدر، مقبلا غير مدبر، لا يعاتبه أحد، ولا يشعر بالندم على ما فات، ولا يفتش عن حبوب يتناولها لتساعده على الحفظ والاستذكار كأن لها تأثير السحر، وهو في الحقيقة يسير خلف السراب، أو يبحث عن طريقة سريعة للغش المحرم!
وبعض الآباء لا يحلو لهم اللوم والعتاب على تفريط الأبناء فهل من المناسب عتابهم في هذه اللحظات على التفريط؟ أو هل يليق أن نوجه لهم اللوم على هذا التقصير، أم يكفي ما يشعرون به من آلام؟
وثمة أمور من المناسب الإشارة إليها بهذا الخصوص:
أولا: التذكير بالامتحان الكبير:
يمكن أن نستثمر هذه الفرصة بأن نذكرهم وأنفسنا بالامتحان الأكبر:"يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"، ولكن الفرق أن هذا الامتحان الفرصة فيه مهيأة لتعويض ما فات، وأما الموت فيأتي بغتة والقبر صندوق العمل فلا بد من التزود من العمل الصالح، بالحرص على الطاعات وترك المعاصي وتضييع الأوقات.
ثانيا: ترك اللوم وهجر التوبيخ ، والبعد عن العتاب:
فليس من المناسب في هذه الأوقات، أو أثناء الامتحان أن يتبادل الآباء مع الأبناء الاتهامات، أو البحث عن أسباب الإخفاق و الفشل، بل الأفضل أن نستعد لبقية المواد، ونكتفي بالندم على ما فات، ونعزم على عدم تضييع الأوقات في المرات القادمة؛ لأن الطالب أو الطالبة من المؤكد أنه سيتأثر سلبا بهذا العتاب أو ذلك اللوم، ولن يستفيد منه شيئا، إضافة إلى أنه قد يصاب بالمزيد من الحزن، أو الاكتئاب، أو الخوف من الاستمرار، و يفضل الانسحاب من الميدان بدلا من شحذ الهمم، وحشد الطاقات، فالتوبيخ والعتاب غير مجدٍ حاليا، وقد يؤدي إلى الشعور بالتوتر وعدم الانسجام، أو يصاب الشخص بقلق الامتحانات، فتتوتر أعصابه، ويتغير سلوكه، فيتأثر نفسيا من هذا الجو الملبد بالغيوم، فيؤثر ذلك على اتزانه وتماسكه، وتتغير انفعالاته ولا يتمكن من التركيز في مذاكرة المواد المتتالية، والأفضل أن نترك العتاب، ونهيئ الأجواء لاستدراك ما فات، والوقت لا يسعف للاطلاع على طرق المذاكرة، ومعرفة كيفية التركيز أو تعلم الطريقة الصحيحة للقراءة والحفظ والفهم، فالمطلوب هو: إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالتركيز في بقية المواد، مع الاستعانة بالدعاء والتوكل على الله تعالى، مع النية الصالحة لرفع الهمة وبذل الجهد في المرات القادمة.
ثالثا: من الأدعية التي يمكن أن نكثر منها ونكررها :
لتلافي النسيان نقول: "اللهم إني أسألك علما نافعا"، ونكرر "رب زدني علما"، وكذا"رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي" أو" اللهم يا مفهم سليمان فهمني ويا معلم داود علمني" وإذا استصعب عليك شيء فقل: ((اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن سهلاً إذا شئت)) رواه ابن حبان، ويمكن أن تقرأ الفاتحة، وتحاول المحافظة على أذكار الصباح والمساء، بل سائر الأذكار الواردة في اليوم والليلة، فهي الحصن الحصين، خصوصا أذكار ما قبل النوم.
رابعا: الاستفادة من الإجازة الصيفية:
كذلك نحاول أن نستفيد من هذه التجربة؛ بأن نتدرب مع الأبناء على حسن استغلال الإجازة الصيفية في البرامج المنوعة المفيدة، واستثمار الأوقات في الدورات النافعة، أو المحاضرات الشيقة، أو الألعاب المسلية، مع تعويد النفس وتدريبها على كيفية التعلم، مثل الصبر على الجلوس للحفظ في حلقات تحفيظ القرآن الكريم أو الصبر على استذكار الدروس، أو الحرص على التقوية في المواد الصعبة.
خامسا: البعد عن المقارنة، ومراعاة الفروق الفردية:
لا بد أن يدرك الآباء أن الله تعالى خلق الناس متفاوتين في القدرات، فالله تعالى أنزل الأرزاق وقسمها بحكمة, وكذلك القدرات، ومن حكمته أن خلق الأغنياء والفقراء، قال تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ )الشورى 27 وجعل بعض أصحاب الابتلاءات يعيشون بيننا لنعرف نعمة الله علينا من رؤية هذا المصاب أو المريض المبتلى, وقد يكون الإنسان غنيا، ولكنه معتل الصحة، يتمنى العافية، و هكذا خلق الله الأغنياء والفقراء لحكمة أيضا وهي تسيير أمور الناس والفقراء يقومون بالأعمال الوضيعة ولكنها شريفة ومن يقم بهذه الأعمال إذا خلق الله العباد كلهم أغنياء؟! وقال سبحانه: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا) الزخرف : 32 .
فالتميز أو التفوق في الاختبارات ليس هو المقياس الحقيقي للنجاح، فبعض الأشخاص ينجح في الدراسة ويتفوق، ويفشل في التعامل مع الناس، وبعض الأبناء لا يتميز دراسيا وينجح في أعماله الحرفية، وأموره الدنيوية، فلا بد من الاعتراف بهذه الحقائق، ونترك المقارنة السلبية بين الأبناء، أو بين القرناء، ولا نجعلها سببا للتكدير على الأولاد، أو محاسبتهم بأمور لا دخل لهم فيها، صحيح أن العلم بالتعلم، ولكن الناس يتفاوتون في تلقي العلم واستذكاره وحفظه، وعلى الطالب والطالبة الاجتهاد، مع الأخذ بالأسباب، وحسن التوكل على الله تعالى، والاستعانة بالصلاة والدعاء، وإذا أخذ الطالب بأسباب التفوق ولم يتفوق فلا بد أن نرضى بما قسم الله تعالى لنا.